تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) آية ٧
كانت عليها، و لا شكّ إنّ الآخرة إنّما تحصل بارتفاع الحجب و ظهور الحقايق و زوال التعيّنات و تميّز الحق عن الباطل.
على أنّ من اكتحل عين بصيرته بنور الايمان، و تنوّر قلبه بطلوع شمس العيان، يجد أعيان الأفلاك و الأركان متبدّلة، و طبائع الصور و الأكوان متحولة متزايلة، فهي أبدا في السيلان و الزوال و الحركة و الانتقال، حركة جوهريّة و تجدّدا ذاتيّا، لا بمجرّد الصفات و الأعراض فقط، و في المقولات الأربع لا غير- كما زعمه المحجوبون من أهل النظر- بل كما أقيم عليه البرهان مطابقا لما وجده أصحاب المكاشفة و العيان، من أنّ الطبيعة السارية في أجسام هذا العالم هي حقيقة سيّالة متجدّدة الذات، غير قارّة بحسب الجواهر.
و علم من ذلك أنّ الدنيا بحذافيرها حادثة، و هي دار زوال و انتقال، و الآخرة دار قرار و ثبات، كما يراه المليّون، حسبما وصل إليهم من حملة أسرار الوحي و التنزيل و خزنة علم النبوّة و التأويل.
قوله عزّ اسمه: [سورة الواقعة (٥٦): آية ٧]
وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧)
أي أصنافا ثلاثة. و ذلك لأنّ الإنسان فيه مبادي إدراكات ثلاثة من جهة قوى ثلاث: قوّة العقل، و قوّة الخيال، و قوّة الحس. و لكلّ قوّة كمالا، فكمال القوّة العاقلة بإدراك المعارف الإلهيّة و العلوم الربانيّة، و به يحشر الإنسان في جوار اللّه و ملكوته، و كمال القوّة الخياليّة في فعل الخيرات و تهذيب الصفات و تبديل السيّئات بالحسنات، و كمال القوّة الحسيّة بإدراك الملايم الحسّي من الملاذ الجسمانيّة و الأعراض البدنيّة.